البداية دائما صعبة ، في كل شيء ، دائماً ما تكون ثقيلة على النفس ، شديدة التكلف ، تشغل التفكير و تورث الأرق ؛ لذا سأبتعد عن القواعد و سأتجاهل المقاييس ، و سأكتب لذاتي ، علَّها ترضى!

الجمعة، 10 يناير 2014

الهلع! (3)

ألمٌ فظيع تكادُ عُروق رأسِي أنْ تنفجرَ من شدَّتِه ! صَرَختُ مِرَارَاً حتى تمالكْتُ نفسي و بدأتُ أسْتعيدُ الوعي ، يبدو أنَّ شيئاً ما قد ارتطم برأسي جَرَّاءَ العاصِفة ! العَاصِفة !
الحمدلله ! لقد نجوت منها ؛ فتحتُ عَينيَّ لأرى أينَ أنا ! فإذا بالعاصفة قد ألقتني على شاطئٍ من الصُّخُور ! نَهَضْتُ بإنْهَاكٍ لأقفَ على قَدَمَيَّ ! ترنَّحْتُ مِرَارَاً حتى اعْتَدَلْتُ ، بَدَأتُ اقْفِزُ من صَخْرَةٍ لأخرى ، حتى ابتعدت عن الشاطئ ، لأجد ما يشبه الغابات المطيرة ! نباتات متشابكة ، وأشجار شاهقة ، لكنْ لا صوتَ فِيها غَيرَ حَفِيفِ الأشجار ! توغَّلْتُ فيها قليلاً قبل أن أجِدَ نَفسي قَدْ وصلتُ إلى المحيطِ مرةً أُخرى! إذاً هذه جزيرة ! يبدو لي أنَّهَا صَغِيرة ، لكنْ أليسَتْ مَأهُولةً بالسُّكَّانْ ؟! جُبْتُ الجزيرةَ مِرَارَاً عَلِّي أكون قد أَغْفَلْتُ شيئاً لكنْ لا شيءْ ! لا بشر ! لا حيوانات ! لا شيءْ ! أنا وحدي على هذه الجزيرة المَهْجُورَة ! ماذا يعني هذا ! أسَأُتْرَكُ هنا لأموت وحيداً و أتَعَفَّنَ في صَمْت! بالتأكيد سيبحثُ عَنِّي أهلي ، أصدقائي ! لن يتركوني ! لكنْ ماذا إنْ لَمْ يَلْحَظُوا غِيابِي ! يا إلهي ! بالكادِ كانوا يتحدثون إليَّ أو يتواصَلُونَ مَعي ! لنْ يَهْتَمُّوا إنْ غِبْتُ عَنْهُم ! بل لنْ يُكَلِّفُوا أنفسهم عَنَاءَ السؤَالِ عَنِّي ! يا إلهي! سَأمُوتُ وَحِيدَاً كَمَا عِشْتُ وَحِيداً ! لا أريد أنْ أمُوتَ الآنْ ! مَازالَ أمامي الكثيرٌ لأنْجِزَه ! مَازِلتُ صَغِيراً لأَمُوتَ ! تَزَاحَمَتْ فِي عَقْلي التَّسَاؤُلاتْ حَتَّى طَرَقَ رَأْسِي الأَلَمُ مِن جَديد ! لكنْ هِذه المَرَّة أّكْثرُ شِدَّة ! أكثرُ فَتْكَاً ! صَرَخْتُ حَتى دَمِيتْ حُنْجُرَتِي ! أَخَذْتُ أَرْكٌض في كُلِّ اتِّجَاه ، كأَنِّي أَهْرُبُ مِن الألمْ ! لكنْ لا مَفَرْ ! تَعثرت قَدَمِي بِشَيءٍ مَا فأوقَعَنِي أرضَاً ،  هَدأتُ فَجْأة ! كانَ اتِّصَالُ جَسَدِي مُبَاشَرَةً بِالأَرْض يمنَحُنِي الأَمَانْ ! لا أعلمُ لِمَاذَا! لكنْ شَعُرْتُ كَأَنَّ الأرضَ تَمْتَصُّ ألمِي ! ذُعْرِي ! تَوتُّرِي ! وتمنَحُنِي الهُدُوء وَ الأَمَانْ ! إلتقطتُّ أَنْفَاسِي ، وَ هدَأْتْ ! في هذه اللحظة ، بَاغَتَنِي شُعُورُ قَويُّ بالجُوعِ و العَطَش ، كأنَّ جَوفِي أَشْبَهَ بأرضٍ قَاحِلة ، تَتَمَزَّقُ مِن الجَفَافْ فتمَزِّقَنِي مَعَها! تَعَجَّبتُ كَيفَ لَم أشعر بالجوعِ ولا بالعطشِ قَبْلِ الآنْ ! يبدو أنَّ الخوفَ كانَ أقوى منهما ! . بَدأت أبْحَثُ عن مَصْدَرٍ أتَغَذَّى منه ! فلم أجدْ غَيرَ الأشْجَار ، لا أَعْلَمُ إنْ كَانَ لها ثَمَرٌ أم لا ! لكن سأُجَرِّبْ ! بَدَأتُ أتسلَّق بتَثَاقُلْ ، لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ قوة لأمشي نَاهِيكَ عن تسلق شجرةٍ بهذا الارتفاعْ ! لَمْ يكنْ عُلُوهَا الشاهِقُ يخيفُنِي أكثرَ مِن فِكرة أنْ لا أجِدَ ما أقتَاتُهُ مِنْهَا ! أسأبذُلُ ما بقيَ لديَّ منْ قُوةٍ هَباءً! نَحَّيتُ هذه الفكرةَ عنْ رأسي كيلا تَدْفَعني للاستسلامْ ؛ أكملتُ الصُّعُود ، بَعْدَ عَنَاءٍ استمرَّ طَويلاً وَصَلتُ لأعلى الشَّجَرة ، أحسَسْتُ بِراحَةٍ شَدِيدَة عندما رأيتُ الثِّمَارَ تَتَدَلَّى في منظر بديع - بديعٌ لحاجَتِي إليه و ليس بديعاً بذاته - ، أخَذْتُ أَقْطِفُ الثِّمَار و ألقيها أرضاً حتى تبقَّت واحدة ، كنت قد تسلقت أعلى شجرة في المكان ، مَكَّنَنِي ارتفاعُهَا أنْ أرَى الجزيرةَ بأكملهَا ، كانتْ صَغِيرةً حَقاً ، جُلتُ بعينيَّ فِي الأُفُقْ لَكنْ لمْ أرَ سِوى المَاء ، العجيب أن لونَ الماء كان يميل إلى الأسود كأن شيئاً قد لوثه وعكَّر صَفَائه ! أعدُّت النَظَر إلى الأرض ! فكَّرتُ أنَّ مِشْوارَ النزول يتطلب مني قوَّة ، فقررت أنْ أتناولَ الثمرة الأخيرة لأتقوَّى بها ، كانَ شكلُها غَريباً في استدارتها الكاملة ! لونُها أبيضٌ ناصع ! و مَلمَسُهَا مِخْمَليٌّ ناعم ! لم يكن لها رائحة ! نَهشْتُ منها قضمةً كبيرة ، فانْفَجَرت في فَمِي بسائلٍ أسودٍ منتنِ الرائحة ، طَعْمُه لمَ أتذوق أشد منه مرارةً ولا خبثاً قط ! ارتبكت و أنا أحاول بَصْقَها و التّخَلُّصَ منها ، فانزَلَقْتْ قَدِمي لأسقطَ من غُصْنٍ إلى آخر حتى سقطت على الأرض ! العجيب أنِّي لمْ أشعُر بشيء ! لا ألم ! لا خوف ! لا شيءْ ! فقط ذلك الطَّعم الكريه في فمي ! ولا شيء آخر ! لم أحاول النهوض ، آثرْتُ البَقَاءَ مستلقياً ؛ سأنتظر الموت ! لن أهرب منه فلا مفر ! من الأفضل أن أتقبل الأمر فلا أجْزَع ! لا داعي للخوف من شيء تتوقعه ! وتعلم أن لا مفر منه ! فكرت أنْ أُغْمِضَ عينيَّ و أنام ، لكن لم أستطع ، النوم في الأساس مقترنٌ بهدوء النفسِ و استجلاب الراحة ، فكيف يصلح النوم بحالي ! أخَذَتْ تمر أمام عينيَّ صورتي و أنا أموتُ مرَّةً تلو الأخرى ، وفي كل مرة أموت في صمت !؛ صَوتُ طَرْقٍ شديدٍ أوقف دَوِيُّهُ تَسَلْسلَ مشاهِدِ العَذَابِ المُتَكَرِّرَة ، و انتَشَلَنِي مِنْ حَالَةِ الجُمودِ التي أظُنُّهَا استَغْرَقَتْ دَهْرَاً ، بدأتُ أتحرَّك ببطئ كأنِّي أحَطِّمُ قَيداً كان قد أُحْكِمَ عَلى جَسَدِي ! حَرَّكتُ أَطْرَافِي أوَّلاً ، ثم اعتدلت جالساً ، التَفَتُّ ناحِيَةَ الصَّوت ، فإذا بسوادٍ عظيم ! يسدُّ الأفقْ! ارتعدت ! ما هذا السواد ! شعرت فجأة ببرودةٍ شديدة ، كانت أطرافي تتجمد ! تكوَّرْتُ على نفسي في محاولةٍ يائسةٍ للتدفئة ، كنت كأنِّي أنا مصدرُ البرودة ! تصدرُ من جَوفِي مِنْ دَاخِلِي ! فأتجَمَّدُ حتَّى قبل أنْ أشعر بِها ! كانَ السوادُ قد أحاط بي من كلِّ الجِهات ، و الرياح قد أسرَعَ جريانُها حتى بدأت في اقتِلَاعِ الأشجار ، صرخت من الهلع ! لم أكن أخشى الموت ! لكن كان كلُّ هذا كُلُّ ما حدث و ما يحدث أكبر من طاقتي على الاحتمال ! صرخت! وصرخت! و فجأة هدأت الرياح ، وتوقف الطرق ! باستثناء السوادِ المُحِيطِ بي ، كان كُلُّ شيءٍ طبيعياً كأنَّ شيئاً لم يحدث ! زاد هذا من هلعي و خوفي ، ضممت ركبتيَّ إلى صدري و أخفضت رأسي و أخذت أبكي و أتمم كالمجنون ! كان كل مايحدث مخالفاً للعقل ! للمنطق ! لأي شيء أعرفه ! لكنِّي مازلتُ حياً ! فلابد من تفسيرٍ مَا ! كان غَايَةَ ما أريد هو الحصول على هذا التفسير ! في حركةٍ لمْ أتوقعها ! بدأت الأغصان بالتحرك تجاهي! في مشهد مَهيبْ ، كأنَّي قد أصبَحْتُ مركز جاذبيَّتِها ! أخذت تلتف حولي حتى قيَّدَت جسدي كاملاً عَدَا رأسي ! شعرت بها تجرني باتجاه المحيط ! حاولت ان أُفلِتَ منها لكن بلا فائدة كانت قد أحْكَمَت الإغلاق عليَّ فشلَّتْنِي عن الحركة ! نظرت إلى السواد مستسلماً لمصيري المجهول ، فإذا بالكتلة الملعونة تنظر إليَّ بذاتِ العينَينْ ، كنت أعرفها ! هي السبب في ما أنا فيه ، صرخت فيها ، ماذا تريدين ! توقعت أن لا تجيبني كالعادة ، لكنْ !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق